تحقيق محمد عبد اللطيف

كنا نعتقد أن ما سردناه من قصص ووقائع عن أراضي «القادسية» هو نهاية المطاف، لكن يبدو أن اعتقادنا لم يكن في محله، فقد اكتشفنا أننا ما زلنا عند حافة البئر المتخمة بملفات مليئة بالحكايات والأسرار التي يحتاج سردها إلي طاقة هائلة من الصبر وقوة جبارة من ضبط النفس، لأن الوقائع مفزعة فهي تخص عشرات الآلاف من الأفدنة المملوكة للدولة تعرضت للعبث وأعمال البلطجة علناً، في ما يشبه ارتكاب الأفعال الفاضحة في الطريق العام، خاصة إذا ما علمنا أن ناتج أو حصيلة العبث بلغ 50 مليار جنيه، جني ثمارها أفراد ومجموعات جميعهم احترفوا الأساليب الملتوية لتحقيق الثروات، فقبل أن ننتهي من قراءة واقعة في ملف العبث بأراضي الدولة، تنفجر في وجوهنا وقائع جديدة وكأنه قدر كتب علينا أن نعيش تفاصيله.

      

ونعرف عناوينه المتصلة بشخصيات كانت ملء السمع والبصر في الحياة العامة تورطت عمداً فيما جري علي طريق القاهرة- الإسماعيلية المعروفة بدولة القادسية، فهذه الشخصيات تسترت مع سبق الإصرار والترصد علي

كل الممارسات التي جاءت تفاصيلها في قصة التسجيلات الصوتية التي سردنا جزءاً منها وهي التي فضحها ضابط أمن الدولة، وعلم بها زبائن محل كوافير في مصر الجديدة وكان الهدف اخبار صاحب المحل بالشتائم التي يتعرض لها المغالون في العمولات نتيجة قيامهم بتوفيق رءوس أصحاب البيزنس في الحرام.

قصة التسجيلات فتحت الباب علي مصراعيه لخروج القصص والحكايات التي ارتبطت بالاتجار في أراضي القادسية، واحدة من هذه القصص التي روي لي أحد الزملاء الصحفيين الذي التقط خيطاً ظن أنه سيقوده إلي معلومات قاطعة تفصل بين الشك واليقين، حول الصراع علي التركة بين ورثة شخصية مهمة، امتد الصراع إلي حد التشكيك في النسب بين الأشقاء من أجل التكويش علي الثروة، ولم يكن غريباً وقتها أن يدخل علي الخط الساخن من الأحداث ليزيد اشتعال الأزمة بين الأطراف أشخاص من محترفي الاصطياد في الماء العكر لتحقيق مصالح علي حساب السمعة والأعراض، فقام هؤلاء المحترفون بتسريب جزء مما يجري من مشاهد في الخفاء في تلك الأثناء، كانت هناك حرب خفية تجري علي قدم وساق من شلة المنتفعين التي كانت تلتف حول الشخصية المهمة، وصلت إلي درجة أن لهم حقوقا مشروعة في التركة مثل الورثة، ذهب الصحفي إلي أحد أصحاب شركات تقسيم الأراضي الذي استباح مساحات شاسعة من جمعية الأمل وأراضي القادسية.. ظن أنه سيقوده إلي التفاصيل الكامنة في تلك الأزمة، وتوثيق جزء منها، فما كان من صاحب الشركة إلا أن أجري اتصالا هاتفيا بأحد أطراف الأزمة ليحضر اللقاء وضرب جميع العصافير المحلقة بحجر واحد، وصلت رسالته لمن أتي به موحياً له أنه في صفه وهذا عكس ما رواه للصحفي قبل حضور الطرف المستفيد، وكانت المفاجأة أن اشترك مع الآخر في الهجوم علي المحامي الذي أوعز للصحفي بالقصة وجزء من تفاصيلها، ولم يدرك الصحفي الذي لم يحصل علي أي معلومة بهذا الشأن أنه سيتم بيعه بعد خروجه مباشرة بأن حصل صاحب شركة تقسيم الأراضي من الآخر الذي يقوم بأعمال الوكالة علي جزء من الشيكات المحررة ضده، مقابل أراض كان قد اشتراها، وأوهمه أنه أوقف ضده حملة شرسة عن عمليات البيع بعقود وهمية ومضروبة وساعده في ذلك احتفاظه بالعديد من الأوراق التي تمثل إدانات واضحة تقود الوكيل للسجن، وحدثت الصفقة بعد أن أخرج تلك الأوراق.

تفاصيل تلك القصة رواها لي الصحفي الذي تعرض لهذه المؤامرة الحقيرة من صاحب شركة الاستثمار العقاري وتقسيم الأراضي علي خلفية ما تناولناه علي صفحاتنا من أعمال وممارسات وأساليب ترقي إلي مستوي ارتكاب الأفعال الفاضحة علي طريق القاهرة- الإسماعيلية دون ضابط أو رابط، لم ننكر أن قصة الصحفي التي رواها لنا كانت دافعة ومحرضة للبحث عن المزيد من التفاصيل التي اختلطت أوراقها إلي الحد الذي لم نعد نفرق فيه بين البيزنس والفضائح الأخلاقية، فصاحب الشركة التي يعمل بها عدد من ضباط الشرطة المتقاعدين، وتتخذ مقراتها في الأحياء الشعبية، والأخري الراقية وجد ضالته في أزمة أسرية، واستثمرها كبيزنس يشبه جميع تصرفاته في مجال بيع الأراضي علي طريقة تلبيس «الطواقي» ليحقق عشرات الملايين في كل صفقة من صفقاته المشبوهة، سواء في جمعية الأمل أو أراضي القادسية، ففي الأخيرة توقفت جميع تصرفاته في الهيئة العامة للتنمية الزراعية، لأنه يقوم ببيع الأراضي كقطع سكنية بالمخالفة لخطة الدولة مستغلاً في ذلك خطابات الاستثماري المضروبة التي كان يبيعها سائق سابق لصاحب القادسية، وعلي ضوء هذه الخطابات وقع البسطاء فريسة لشخص ليس في طلعته أي ضياء أو أمل فكل تصرفاته يحيط بها الغباء والجفاء.

لا يختلف بقية أعضاء مافيا تقسيم الأراضي عن الرجل الذي فقد ضياءه وبريقه في أوساط البيزنس فجميع أعضاء شلته يتخذون من أوكار البلطجية والخارجين عن القانون وسيلة لتأمين مصالحهم المريبة التي ستكون مادة دسمة في كل وسائل الإعلام في الأيام القليلة المقبلة بعد فتح الملفات المتخمة بالفضائح في جميع الجهات المعنية بحماية المال العام من العبث، والأراضي التي خصصتها وزارة الزراعة للاستصلاح الزراعي تتعرض حالياً لأبشع وسائل وطرق العبث، لكنها ظلت لفترات طويلة بعيدة عن الرصد والتناول خشية التعرض للقيل والقال من المحترفين الذين غيروا واقع وملامح مساحات شاسعة من الأراضي بيعت في مضاربات داخل بورصة علنية، أكدنا أكثر من مرة أن حجم التداول فيها بلغ نحو 50 مليار جنيه علي نحو 30 ألف فدان، والتداول هنا يجري علي القطع ومساحة كل واحدة 5 أفدنة، ويباع الفدان الواحد بـ250 ألف جنيه، وتم شراؤه من وزارة الزراعة بـ500 جنيه فقط والقطع المميزة، وصل سعر الفدان 800 جنيه.

نحن نتحدث عن 30 ألف فدان يعبث فيها بلطجية وسماسرة وتجار كبار وآخرون صغار يريدون اللحاق بقطار الفوضي الذي يدر أرباحاً خيالية تفوق تجارة المخدرات، وربما لهذه الأسباب ترك بعض البلطجية تجارة المخدرات واتجهوا للتجارة في أراضي الاستصلاح ووضع اليد وبيعها للحالمين بتملك منزل من الغلابة الذين دهسهم الفقر واستقطعوا ما دفعوه من قوت أسرهم وثمن غربتهم وبيع مصاغ زوجاتهم.

الحديث عن أراضي القادسية وعلاقتها بتجار تقسيم الأراضي والبلطجية الذين يمرحون في كل اتجاه لم ينقطع، ففي كل لحظة تخرج علي السطح تفاصيل جديدة وشهية، والجديد الذي انفجر هذا الأسبوع هو قيام المركز الوطني لاستراتيجيات استخدام أراضي الدولة التابع لمجلس الوزراء ويترأسه اللواء عمر الشوادفي بوضع ما تناولناه من وقائع علي طاولة الدراسة والبحث لاتخاذ ما يلزم من إجراءات حياله، خاصة أن المسئولين في هيئة التنمية الزراعية تصرفوا في أراضي الدولة للمحاسيب بطرق مريبة وهو ما يدفع للمطالبة بمحاكمتهم جميعاً وعلي رأسهم وزراء الزراعة من يوسف والي إلي فريد أبوحديد الذي يكتفي بإحالة الأمر إلي مرءوسيه دون اتخاذ إجراءات فورية قبل بيع جميع الأراضي للبسطاء علي طريق القاهرة- الإسماعيلية من خلال مافيا مدربة علي ارتكاب الأفعال الشائنة والبعيدين عن العيون، وتظل هذه المافيا مجهولة لنا ولغيرنا إلي أن يتم الكشف عن أعضائها بمعرفة الجهات المختصة بالرقابة والأخري المختصة بالتحقيق، لكن سنتحدث عن الشركات المعروفة باتساع نشاطها في أراضي القادسية التي يستخدم اسمها في المسافة من المركز الطبي العالمي إلي حدود مدينة العاشر من رمضان صارت جميعها القادسية، أما عن الشركات التي تعمل في العلن ففي مقدمتها النور مصر، المملوكة لشخص يدعي ضياء الكيلاني.

أينما وجد نشاط تقسيم الأراضي المرتبط نشاطها بالتعامل مع الشرائح والفئات البسيطة وأحمد المنسي وعمر فراج وسمير حامد والكرداسي وغيرهم من أصحاب شركات تقسيم الأراضي، ولا يفوتنا هنا أن نشير إلي أن هذه الامبراطورية المتسعة تحمل اسم القادسية والإعلانات في الصحف، وتشير إلي الاسم بمعرفة أصحاب شركات تقسيم الأراضي الراغبين في الإعلان عن نشاطهم لكن هذا الاسم -هو ماركة مسجلة- للشركات ذاتها التي تديرها هبة الله محمد محمد سيد أحمد، وقد ورثت مع شقيقتها الشركة من والدها الذي نؤكد أنه كان شخصية عامة وحصل علي الأراضي وهو نائب بمجلس الشعب أي أنه تعامل مع الدولة وهذا مخالف بحكم موقعه البرلماني وما تركه من ممتلكات يخضع لميزان الصواب والخطأ مثل آخرين من المسئولين الذين رحلوا ويخضع ورثتهم لإجراءات التحقيق في معرفة مصادر الثروة، ومدي قانونيتها وعلي رأس هؤلاء ورثة كمال الشاذلي النائب والوزير والقيادي بالحزب المنحل، وبالتالي سيقود ذلك إلي التحقيق مع آخرين من المسئولين الذين شاركوا في القادسية وفي تعديل الشركة وفي مقدمتهم عبدالأحد جمال الدين ومصطفي الفقي وإسماعيل الشاعر وقيادات أمنية ونجل وزير الداخلية الأسبق حسن الألفي وحسن طنطاوي من أمن الدولة وسمير رجب الذي ابتكر فكرة جمعية الإرادة والتحدي و...و...الخ، وذلك بالتوازي مع الشركات التي حققت مئات الملايين من تقسيم الأراضي وتبدو المطالبة بفتح ملفاتهم أمراً ضرورياً لمعرفة ما دفعوه من ضرائب وهل كانت موازية لحجم البيع والنشاط أم لا؟!

ما يجري في القادسية لم يكن بعيداً بأي حال من الأحوال عن دائرة نفوذ هبة الله محمد سيد أحمد المتوجة علي عرش الامبراطورية المتسعة، فهي التي تقوم بالبيع والتخصيص والشركات تمارس نشاطها تحت حماية قوات حرس القادسية من المسلحين ويتم ذلك علي مرأي ومسمع من الجميع، وكأن هذه المنطقة دولة داخل الدولة.

المثير للدهشة أن بعض البدو يمارسون أيضاً عمليات تقسيم الأراضي من خلال شركات وهمية وغير مسجلة أو البيع بالصفة الشخصية للشركات الصغيرة وكل ذلك لم يكن بعيداً عن المترددين والمتواجدين في القادسية ويعلمون جميع التفاصيل مثل سيد طراوة واخيه مجدي طراوة وعطية فهيد وبريك وسليمان وغيرهم من المشايخ المنتمين للبدو.

أمام هذا الواقع المخيف، هل تتحرك الدولة قبل التحقيق في الجهات المعنية باعداد تقاريرها حول مخالفات القادسية لقرار مجلس إدارة هيئة التنمية الزراعية بمنع البناء علي الأراضي الزراعية وهو القرار الصادر في مايو 2010؟



عدد المشاهدة : 6917



انشر الصفحة
إطبع الصفحة

علق بواسطة حسابك على الفيس بوك


ضع تعليقا




التعليقات السابقة


  • التعليق بواسطة :



 سيد سعيد يكتب السيسى أنعش علاقات مصر بدول الاتحاد الأوروبى


  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large

 قناة CBC
 قناة صدى البلد
 قناة دريم 1
 لايف قناة اون تى في
 قناة النهار

هل تؤيد عودة الجماهير للمدرجات ؟



نعم 1
لا 0
لا أهتم 0





  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large
  • slideshow_large



شارك الصفحة مع أصدقائك على :
Bookmark to: delicious Bookmark to: Digg Bookmark to: technorati Bookmark to: Yahoo Bookmark to: Stumbleupon Bookmark to: Google Bookmark to: reddit Bookmark to: facebook Bookmark to:furl
© جميع الحقوق محفوظة لجريدة صوت الملايين لسنة 2013 |تصميم وتطوير :