قديماً قالوا.. «أسمع كلامك أصدقك، أشوف أفعالك أستعجب»، ذلك المثل الذى يتردد على ألسنة المصريين كدلالة عن التناقض بين الكلام والأفعال، قفز على لسانى حال تصريحات الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء، والتى أحدثت دوياً هائلاً فى الأوساط الإعلامية والاقتصادية، باعتبار أن تلك التصريحات تجعلنا أمام حدث تاريخى، لو تحقق بالفعل، لكن هناك شكوك متنامية حول قدرة الحكومة على تنفيذ وعودها، أما الشكوك فهى جراء الوعود التى لم تتحقق من قبل، وهى كثيرة جداً، لكن آفة حارتنا النسيان، كما قال أديب نوبل نجيب محفوظ، وإن كان النسيان أحد النعم التى منحها الخالق لخلقه، لكن الحكومات المتعاقبة تتعامل مع الشعب بقدر من التحايل لتمرير أخطائها المتعاقبة اعتمادًا على الفهلوة أو أن الذاكرة الشعبية أدمنت النسيان، فالحكومة التى تصدع رؤوسنا ليل نهار بتصريحات وردية عن تحسين الأحوال المعيشية، هى نفسها التى تتخذ قرارات من شأنها إرهاق الجيوب، حتى باتت الأمور خارج السيطرة، فرئيس الحكومة يعد بانخفاض الدين العام، ووزير المالية يطلق تصريحات تتعلق بحل أزمة أعباء الدين وبين تصريحات وزير المالية عن نجاح الاتفاق مع الصندوق دون أى ذكر لخفض الدين، وتصريحات رئيس الوزراء، علينا الانتباه.
في هذا السياق علينا التأكيد على حزمة من الحقائق، تؤكد أن التصريحات لا تتسق مع الواقع، فحجم الدين الداخلى والخارجى، بلغ أرقاما مزعجة، ففى الستينيات كان حجم الدين 1,8 مليار دولار، وبالمناسبة كان الدولار بـ 30 قرشًا، وبرحيل السادات بلغ حجم الدين رغم الدخول في حروب قرابة 12مليار دولار وسعر الدولار 77 قرشا، وفى عهد مبارك مليار دولار 0 لكن كومة مدبولى توسعت في الاقتراض بصورة مخيفة، أن هذه التصريحات ليست جديدة ولن نتوقف، فهى تتكرر وجميعها يشير إلى عدم تحميل المواطن أي أعباء جديدة، لكن يحدث العكس، بالسير فى الاتجاه المعاكس لسياسة الرئيس، الذى يوجّه الحكومة بشكل مستمر لتحسين حياة المواطنين، وبالتالى نأمل أن تكون وعود رئيس الوزراء فى ما يتعلق بالدين قابلة للتنفيذ وعملية، وأن يظهر هذا فى مستوى المعيشة، وقد قال رئيس الحكومة إن مصر خلال 11 عامًا قطعت شوطًا فى التنمية وهو أمر مهم وحقيقى، وأغلبه من خلال برامج عاجلة أعلنها الرئيس السيسي إلى جانب المبادرات الرئاسية فى نقل العشوائيات وإنهاء 100 مليون صحة وإنهاء قوائم انتظار العمليات الجراحية المهمة، هذه مبادرات رئاسبة، بينما كان على الحكومة أن تنجز المرحلة الثانية وتبدأ فى الثالثة من منظومة التأمين الصحى الشامل، وتنهى أزمات الصحة والعلاج بشكل يضاعف الخدمة ولا يعتمد على تدخلات وقرارات وزارية، ونفس الأمر فى ملفات الإسكان وغيرها.
لكن يبقى من المهم، بل المهم جداً، التوقف أمام التصريحات التى اعتدنا على أنها تهدف لدغدغة المشاعر، وتحفيز الأمل فى، وفى هذا السياق الملتبس، يصبح من الضروري طرح التساؤلات، التى أرى أنها مشروعة، بل مشروعة جداً.. فإذا كانت التصريحات حول قدرة الحكومة على تخفيض حجم الدين العام بنسب غير مسبوقة منذ عام 1975، دون توضيح عن كيفية مردودها على المواطن، فهل مثلاً، سيتم تخفيض شرائح فواتير الخدمات الضرورية، أكرر خدمات وليست سلعة، والتى تفوق القدرة على ملاحقة ارتفاعها المستمر؟ مثل الكهرباء والغاز والمياه، والإنترنت الذي أصبح ضرورة من ضرورات المعرفة، هل ستنخفض مثلا بما لا يلائم قدرة الغالبية، هل سيتم مراجعة أسعار الدواء التى أصبحت خارج قدرة الغلابة، هل سيتم تخفيض أسعار المواصلات مثلاً، فإذا كانت هذه الأمور لم تتأثر بتلك القرارات، يصبح الكلام عن مردودها على الشعب مجرد أوهام تبيعها الحكومة للمواطن.
من المؤكد أن تصريحات رئيس الوزراء الأخيرة، فتحت أبواب الجدل حول مصداقيتها، حيث يرى البعض أنها نوعاً من التغطية على سلبيات الانتخابات النيابية، والاستعداد للتغيير الوزارى المرتقب، وهناك من يرى أنها توجه لعملية إصلاح مستمرة ضمن سياسة واضحة لإشراك الناس والشارع في القرارات المهمة، ثم إن تصريحات مدبولى تتعلق بإعلان وعود وإجراءات تخص المواطنين وضبط الأسواق ووقف أى إجراءات من شأنها التأثير على حياة الناس ومعيشتهم، هذا ما أعلنه رئيس الوزراء خلال مؤتمره الأخير، حيث قدم وعودا فى كل الاتجاهات، ووعد بعدم فرض أعباء جديدة على المواطنين، وأن الاتفاق مع صندوق النقد الدولى لا يتضمن أى رفع للأسعار أو تغييرات فى الوقود وهذا سمعناه أكثر من مرة، وكان مثل كلام الليل مدهون بذبدة تطلع عليه الشمس يسيح، ومع ذلك لا يمكن أن ننفى أن أكثر تصريح أثار الكثير من التكهنات، هو المتعلق بالدين العام الخارجى والداخلى، وخفضه، حيث قال الدكتور مدبولى إن ملف الدين العام مهم جدا، ونسعى إلى عدم تحميل المواطن أى أعباء، وأن الدين أصبح يمثل 84% من الناتج المحلى، وسنعمل على تقليص حجم الدين لنسبة لم تصلها الدولة منذ 50 عاما، هذا التصريح أثار تكهنات وتحليلات بعضها يفرط فى التفاؤل، وبعضها وقف فى حيص بيص، وبدأت عمليات البحث عن المجالات التى ينتظر أن تكون هى المصدر لخفض الدين، خاصة أن هناك تقارير تشي بالتشاؤم، وتبالغ فى تقديم أرقام وتوقعات خطيرة، ويبدو أن تصريحات مدبولى جاءت بشكل غير مباشر، ردًا على بعض المقالات والتقارير والتصريحات التى أصدرها اقتصاديون، تحمل مخاوف وتحذيرات من تضخم الدين، وأن خدمات الدين تتجاوز الموازنة، رئيس الوزراء قدم وعدًا بخفض الدين، وبشكل لم يحدث من السبعينيات، وهو أمر لا شك يمثل خطوة مهمة، وإنجازًا، بشرط أن يكون حقيقية، وليس ضمن الوعود النظرية التى اعتادت للحكومةعلى إطلاقها بسهولة، ومنها وعود سبق وأعلنها الدكتور مدبولى، حين قال إن عام 2023 سوف يشهد اكتفاء مصر من المنتجات البترولية، أو غير ذلك من وعود لم تجد طريقها للتحقق.
Ahmed
الواقع أن تصريح الدكتور مدبولى بخفض الدين إذا كان صحيحاً سوف ينعكس على حالة الاقتصاد ومعيشة الناس ومستوى حياتهم، لكن التساؤل دائمًا يتعلق بما إذا كان من الممكن للحكومة أن تخفى سياسات وتقوم بحل أزمة الديون فجأة بينما كل سياستها السابقة تجرى أمام العين، خاصة فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية؟ ولا تقوم بترجمتها إلى واقع ملموس، فبدون ترجمة التصريحات ستصبح تصريحات رئيس الحكومة مجرد عبارات إنشائية تدور في الفراغ، لذا يمكن من المهم أن تخرج الحكومة، وتوضح حقيقة هذه الوعود، حتى لا تترك الأمر للتكهنات، وفى ذات الوقت لا تعطى أملا للمواطنين على غير الحقيقة، وهم يعرفون الحكومة تمامًا، ويرون كيفية تعاملاتها مع الاستثمارات والاقتصاد، والقرارات الاجتماعية، والأهم أنها تقول الشىء وتفعل نقيضه.
ومن المآسي التى اعتدنا عليها، خروج بعض الإعلاميين على الشاشات، ويتحدثون من وقت لآخر عن الحياة الصعبة التى يعيشها المواطن، وأنا هنا لا أريد الإسهاب في هذا الشأن، باعتبار أنه لا يقدم ولا يؤخر، يتحدثون بتعليمات، لكنهم يسعون لإيهام الناس بأنهم يعيشون في كواليس صناعة القرار.
ومن يتابع السياسات والقرارات الحكومية، يعرف أن إدارة الاقتصاد فى أي بلد من بلدان العالم، لا تكون بضرب الودع أو تسخير الجان، فهذا علم له قواعد وآليات وخطط وليس بانتظار المعجزات، لكنها تأتى بناء على تراكمات وخطوات علمية واضحة، ومن هنا يأتى النظر لتصريحات رئيس الوزراء باعتبارها محفزة على استدعاء الماضى بلا رتوش، ونتمنى أن يكون خبرًا حقيقيًا ينعكس على حياة الناس ومستوى معيشتهم، وألا يكون مجرد نقل للأعباء من باب إلى آخر مثلما حدث من قبل، حيث لم يوضح كيفية تخفيض الدين، هل من خلال جدولة طويلة المدى، فالتسريبات تشير إلى عدم التوجه نحو بيع أصول، فكيف سيتم تخفيض الدين بصورة غير مسبوقة حسبما جرى الإعلان الذى لم يكتمل من حيث المعلومات، هل مثلا هناك دول مثلاً ستتنازل عن مديونياتها، أم ماذا؟
أما الأهم في تقديري فهو تغيير السياسات التى أضرت بالأوضاع الاجتماعية بما ينعكس إيجابا، فى ضبط الأسواق وخفض التضخم ومعالجة الملفات المهمة، وعلى رأسها الإسكان والصناعة والصحة، والتعليم، وهى ملفات يكون الإنجاز فيها واضحًا، والرضا الجماهيرى أو عدم الرضا ملموسًا من خلال قياس رد الفعل مباشرة على أى قرار.
وسبق أن أكدنا على ضرورة البحث عن أفكار خارج الصندوق، وهناك طرق متعددة ومتنوعة تستطيع، من خلالها، الحكومة التعرف على مدى درجة القبول والرضا لدى المواطنين، والتعرف على مطالبهم ومشكلاتهم الحياتية على المستويات كافة، واقع الحال ومتابعة الشأن العام بكل تفاصيله، تؤكد حقيقة لا يمكن إغفالها، مفادها إن الرئيس عبدالفتاح السيسى هو الأكثر قدرة على التعرف إلى مطالب الناس ومشكلاتهم، وهذا من قبيل التدليل على أمور كثيرة، حيث لا يتوانى من إطلاق سهام انتقاداته على كثير من القضايا وبشكل صريح للغاية، كما أن الحكومة يمكنها التعرف على تلك المشكلات، ومدى الرضا من سياساتها، لو أنها تابعت ورصدت الواقع بشكل جدي سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعى، أو تقارير مراكز المعلومات التابعة لها في المحافظات وأيضًا من منظومة الشكاوى الحكومية التى يفترض أن تجد من يهتم بها بشكل يشعر فيه المواطن بأهميته، لكن اللامبالاة التى يلمسها الكافة، تؤكد أن المواطن خارج الحسابات مهما كانت الوعود البراقة.
